فخر الدين الرازي
48
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
اعلم أن هذا هو النوع الثالث من أحوال إبراهيم عليه السلام التي حكاها اللّه تعالى هاهنا ، قال القاضي : في هذه الآيات تقديم وتأخير ، لأن قوله : رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً لا يمكن إلا بعد دخول البلد في الوجود ، والذي ذكره من بعد وهو قوله : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ [ البقرة : 128 ] وإن كان متأخراً في التلاوة فهو متقدم في المعنى ، وهاهنا مسائل : المسألة الأولى : المراد من الآية دعاء إبراهيم للمؤمنين من سكان مكة بالأمن والتوسعة بما يجلب إلى مكة لأنها بلد لا زرع ولا غرس فيه ، فلو لا الأمن لم يجلب إليها من النواحي وتعذر العيش فيها . ثم إن اللّه تعالى أجاب دعاءه وجعله آمناً من الآفات ، فلم يصل إليه جبار إلا قصمه اللّه كما فعل بأصحاب الفيل ، وهاهنا سؤالان : السؤال الأول : أليس أن الحجاج حارب ابن الزبير وخرب الكعبة وقصد أهلها بكل سوء وتم له ذلك ؟ الجواب : لم يكن مقصوده تخريب الكعبة لذاتها ، بل كان مقصوده شيئاً آخر . السؤال الثاني : المطلوب من اللّه تعالى هو أن يجعل البلد آمناً كثير الخصب ، وهذا مما يتعلق / بمنافع الدنيا فكيف يليق بالرسول المعظم طلبها . والجواب عنه من وجوه ، أحدها : أن الدنيا إذا طلبت ليتقوى بها على الدين ، كان ذلك من أعظم أركان الدين ، فإذا كان البلد آمناً وحصل فيه الخصب تفرغ أهله لطاعة اللّه تعالى ، وإذا كان البلد على ضد ذلك كانوا على ضد ذلك . وثانيها : أنه تعالى جعله مثابة للناس والناس إنما يمكنهم الذهاب إليه إذا كانت الطرق آمنة والأقوات هناك رخيصة . وثالثها : لا يبعد أن يكون الأمن والخصب مما يدعو الإنسان إلى الذهاب إلى تلك البلدة ، فحينئذ يشاهد المشاعر المعظمة والمواقف المكرمة فيكون الأمن والخصب سبب اتصاله في تلك الطاعة . المسألة الثانية : بَلَداً آمِناً يحتمل وجهين . أحدهما : مأمون فيه كقوله تعالى : فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ * [ القارعة : 7 ] أي مرضية . والثاني : أن يكون المراد أهل البلد كقوله : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف : 82 ] أي أهلها وهو مجاز لأن الأمن والخوف لا يلحقان البلد . المسألة الثالثة : اختلفوا في الأمن المسؤول في هذه الآية على وجوه . أحدها : سأله الأمن من القحط لأنه أسكن أهله بواد غير ذي زرع ولا ضرع . وثانيها : سأله الأمن من الخسف والمسخ . وثالثها : سأله الأمن من القتل وهو قول أبو بكر الرازي ، واحتج عليه بأنه عليه السلام سأله الأمن أولًا ، ثم سأله الرزق ثانياً ، ولو كان الأمن المطلوب هو الأمن من القحط لكان سؤال الرزق بعده تكراراً فقال في هذه الآية : رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ وقال في آية أخرى : رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً ثم قال في آخر القصة : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ إلى قوله : وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ [ إبراهيم : 37 ] واعلم أن هذه الحجة ضعيفة فإن لقائل أن يقول : لعل الأمن المسؤول هو الأمن من الخسف والمسخ ، أو لعله الأمن من القحط ، ثم الأمن من القحط قد يكون بحصول ما يحتاج إليه من الأغذية وقد يكون بالتوسعة فيها فهو بالسؤال الأول طلب إزالة القحط وبالسؤال الثاني طلب التوسعة العظيمة .